أبو الليث السمرقندي
40
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
ثم قال تعالى : فَسَوَّاهُنَّ أي خلقهن سَبْعَ سَماواتٍ وهن أعظم من خلقكم وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ أي بخلق كل شيء عليم . ومعناه : أن الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا وخلق السماوات قادر على أن يحييكم بعد الممات . قرأ نافع والكسائي وأبو عمرو ( وهو ) بجزم الهاء . وقرأ الباقون بضم الهاء وَهُوَ في جميع القرآن ، وهما لغتان ومعناهما واحد . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 30 ] وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ ( 30 ) قوله تعالى : وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ ، روي عن أبي عبيدة أنه قال : معناه وقال ربك للملائكة وإذ زيادة . وروي عن الفراء أنه قال : واذكر معناه إذ قال ربك . وقال مقاتل : معناه ، وقد قال ربك للملائكة . والملائكة : جماعة الملك . وهذا اللفظ على غير القياس لأنه يقال : ملائكة بالهمز ويقال للواحد : ملك بغير همز . وإنما قيل ذلك لأنه في الأصل كان مألك بالهمز فأسقط الهمز للتخفيف . وأصله من : ألك يألك ألوكا وهو الرسالة . كما قال القائل : وغلام أرسلته أمّه * بألوك ، فبذلنا ما سأل . وإنما سميت الملائكة ملائكة ، لأنهم رسل اللّه تعالى وإنما أراد هاهنا بعض الملائكة ، « وهم الملائكة الّذين كانوا في الأرض . وذلك أن اللّه تعالى لما خلق الأرض ، خلق الجان من مارج من نار ، أي من لهب من نار لا دخان لها ، فكثر نسله ، وهم الجان بنو الجان ، فعملوا في الأرض بالمعاصي وسفكوا الدماء ، فبعث اللّه تعالى ملائكة سماء الدنيا ، وأمر عليهم إبليس وكان اسمه عزازيل ، حتى هزموا الجن ، وأخرجوهم من الأرض إلى جزائر البحار ، وسكنوا الأرض فصار الأمر عليهم في العبادة أخف ، لأن كل صنف من الملائكة يكون أرفع في السماوات فيكون خوفهم أشد ، وملائكة سماء الدنيا يكون أمرهم أيسر من الّذين فوقهم ، فلما سكنوا الأرض صار الأمر عليهم أخف مما كانوا ، وسكنوا الأرض واطمأنوا إليها ، وكل من اطمأن إلى الدنيا أمر بالتحول عنها . فأخبرهم اللّه تعالى أنه يريد أن يخلق في الأرض خليفة فذلك قوله تعالى وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ ، يعني الذي هم في الأرض إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً يعني أريد أن أخلق في الأرض خليفة سواكم . فشق ذلك عليهم وكرهوا ذلك قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها ، يعني أتخلق فيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها كما أفسدت الجن وَيَسْفِكُ الدِّماءَ كما سفكت الجن وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ، أي نصلي لك بأمرك . ويقال معناه : نحن نسبح بحمدك ونحمدك وَنُقَدِّسُ لَكَ . قال بعضهم : نقدس أنفسنا لك ، يعني نطهر أنفسنا بالعبادة عن المعصية . وقال بعضهم : نقدس لك ، أي ننسك إلى الطهارة ونقدس أنفسنا لك .